السيد كمال الحيدري
9
معرفة الله
الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ « 1 » ، فهم لا يعلمون ظاهر الحياة الدُّنيا وإنّما يعلمون ظاهراً من الحياة الدُّنيا . إنّ اليقظة الحقّة من يقظة الغفلة هي القيامة الصغرى التي ينبغي للإنسان أن يتحقّق بها ويقوم بها لله جلّ ذكره في هذه الحياة الدنيا فيخرج من الظهور إلى البطون « 2 » ومن الغياب إلى الشهادة . ولا ريب أنّ الخروج هنا ليس زمانياً وإنّما هو الخروج الذي يصير به الغياب شهوداً والظاهر باطناً والسرّ علناً . وتلكُم هي القيامة القرآنية التي نبّه إليها سبحانه وتعالى بقوله : قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ « 3 » ، وهذا القيام الحقّي هو « اليقظة من سِنة الغفلة ، والنهوض من ورطة الفترة » « 4 » . ولذلك ينبغي لكلّ إنسان سويّ أن يتحقّق بهذا القيام القرآني والقيامة الصغرى واليقظة الحقّة في دنياه اختياراً منه لا جبراً واضطراراً . ومن الواضح أنّ هنالك فرقاً عظيماً بين اليقظة والإيقاظ ، فما يحصل من يقظة بالموت إنّما هو إيقاظ يحصل للإنسان بغير اختيار منه ، فلا يُدرى ما
--> ( 1 ) الروم : 7 . ( 2 ) بعبارة أخرى : إنّه خروج من الظهور العرفيّ ( وهو الغياب الحقّيّ ) إلى الظهور الحقّيّ ( وهو الغياب العرفيّ ) وعندئذ سيعلم الفاني أيّ خفاء كان فيه ، وأيّ ظهور تجلّى فيه ، ومن هو الظاهر ومن هو الباطن ، وسيدرك مراد الفانين في قولهم : ليس وراء عبّادان قرية ، أو : ليس في الدار غيره ديّار ، ويدرك أيضاً بواطن قوله تعالى : فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يونس : 32 . ( 3 ) سبأ : 46 . ( 4 ) منازل السائرين ، لأبي إسماعيل الأنصاري ، شرح عبد الرزّاق الكاشاني ، انتشارات بيدار ، الطبعة الثانية ، قم : ص 34 .